مجموعة مؤلفين

169

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

عربى أن اللّه قد غفر لعباده معاصيهم ، وتجاوز عن سيئاتهم قال تعالى « لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً « 1 » » - وكل إنسان - حتى الشرير - مصيره السعادة الأبدية وإن كانت السعادة درجات تساير معرفة الإنسان باللّه ، فأهل النار مصيرهم النعيم وإن كانوا يعذبون بذل الحجاب ، أما أهل الجنة فمصيرهم أرقى درجات النعيم جزاء عرفانهم الكامل باللّه « 2 » . هكذا نرى أن ابن عربى لم يفسح في فلسفته مكانا للالزام الخلقي بمعناه الدقيق ، الإنسان يأتي الشر استجابة لأمر قضى به اللّه منذ الأزل ( وهذا هو الأمر التكويني عنده ( وكل إنسان يفعل ما أراده اللّه حتى حين يخالف أوامر اللّه ونواهيه ، إذا أتى شرا أو امتنع عن إتيان خير ( أي إذا عصى أمر اللّه التكليفي ) كان بذلك يطيع أمره التكويني ، وهذا نفسه يؤذن بارتفاع المسؤولية الأخلاقية عن الإنسان حتى ولو كان فرعون على نحو ما أشرنا من قبل . إن الإنسان عنده لا يحاسب على أفعاله إلا كما يحاسب الحجر الذي يتحرك وفاقا لقانون الجاذبية الطبيعية ، فإذا هوى على إنسان فهشم رأسه انتفت مسئوليته عما يحدثه من ضرر ، فإن أفعال الإنسان تجرى وفاقا لقوانين اللّه وتحددها طبيعته ، إن الإنسان مكلف ( أي مسؤول ) لأنه هو الذي يطيع ، واللّه هو الذي يأمر ، ولكن ماهيّة الإنسان واللّه واحدة ، والآمر والمأمور واحد . ولكننا نظلم ابن عربى أشد الظلم إذا قلنا أن وحدة الوجود عنده هي التي انتهت بالتصوف الإسلامي إلى هدم المشكلة الأخلاقية على النحو السالف الذكر وسنعرض لبيان ذلك في التعقيب الذي نختتم به هذا البحث .

--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية 39 . ( 2 ) فصوص الحكم : م 41 - 42 : 95 - 96 .